image
د. أحمد عبدالرحمن العرفج
دكتوراه فى الإعلام د. أحمد عبدالرحمن العرفج كاتب
د. أحمد عبدالرحمن العرفج

المدونة

في الوظيفة أغنم زمانك... ثم اترك مكانك..!

للحياة جوانب مضيئة وأخرى مظلمة، وجوانب إيجابية وأخرى سلبية، فمَثلاً: الوظيفة تحقق للإنسان استقرارًا ماديًا ونفسيًا ولكنها لا تغنيه.. وقد أكد ذلك رجل الأعمال المصري الأستاذ «نجيب ساويرس» إذ يقول: (الوظيفة تحميك من الفقر ولكنها لا ترفعك إلى الغنى).!أما الآن.. فقد تحولت وتغيرت الحياة وأصبح الناس أكثر وعياً وذكاءً ويعرفون بأن الانشغال بالأعمال الحرة مثل التجارة والاستثمار والأعمال الحرة وغيرها قد تكون أفضل وسيلة لنيل الرزق والخير الوفير، فذهاب الناس كل يوم لشيء يحبونه والجهد الذي يقومون به ويصب في مصلحة جيوبهم الخاصة هذا خير لهم من وظيفة تكون محدد المهارة ومحدودة الدخل..نعم قد يزيد هذا الدخل وينقص.. ولكن يكفي أنه عمل «حر» بمعنى أن الإنسان يملك حريته ووقته.. وهذا وحده يكفي لتفضيل الأعمال الحرة.أما على الصعيد الشخصي، فأنا لم أشعر بالحياة والتأمل في جمالياتها إلا حينما تخلصت من قيود الوظيفة وتقاعدت مبكراً، وحرصتُ على استغلال وقتي الاستغلال الأمثل، وتعلمت فن الاستمتاع بروعة المكان ونبض الزمان، وكان أهم سبب لتركي للوظيفة هي المرونة أي التوازن بين العمل والحياة، وبين قضاء وقت مع الأصدقاء وممارسات الهوايات التي أحب مثل القراءة والكتابة والمشي، وكل هذه المرونة وتلك الإنتاجية زادت من سعادتي ورفعت معنوياتي وأحببت العمل والإبداع، ووسعت دائرة أعمالي ومعارفي.إن مفهوم الوظيفة شامل، فالموظف قد يكون الطبيب والأستاذ والمهندس ولا يمكن أن أُقلل من شأن هؤلاء والاستغناء عن دورهم الفاعل في المجتمع، لكن إذا كان بداخلك شيء ما يجعلك تشعر بأنك ستنجح في مجالٍ ما بعيداً عن روتين الوظيفة وعبوديتها فتمسك بهذا الشعور ولا تهمله وتطفئ هذا الحماس.يقول المفكر الأمريكي «ناعوم تشومسكي»: (أن الفروقات بين عبودية الرقيق وعبودية الموظفين بسيطة جداً إذ كان قديماً الرقيق يُباع ويُشترى، أما الآن فإن البشر يؤجرون، ولا يوجد فرق كبير بين أن تبيع نفسك وأن تؤجر نفسك).!ويقول الفيلسوف الألماني «نيتشه»: (وكما كان الوضع دائماً ينقسم الناس إلى مجموعتين: عبيد وأحرار، ومن لا يملك ثلثي يومه لنفسه فهو عبد أيَّاً كانت وظيفته).!حسناً ماذا بقي..؟!بقي القول: قرار ترك الوظيفة والتخلص من عبوديتها وأسْرها يظل قراراً صعباً ومصيرياً، إذا لم تكن مخططاً التخطيط الجيد لما بعد الهروب من قفص الوظيفة والإنطلاق لحياة الحرية وجَنِي أفضل المكاسب من الأعمال الحرة، فقد صحَّ عن رافع بن خديج قال: قيل يارسول الله، أي الكسب أطيب؟! قال: (عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور).!ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم حاثًا على طلب الرزق: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء).وهذه الأدلة والنصوص وغيرها ذهب بعض علماء الدين إلى أن التجارة أفضل المكاسب.وأخيرًا.. تصوروا حين تقاعدت، كتبوا أمام اسمي «طوي قيده» حينها أدركت أنني كنت مقيدًا وحين تقاعدت «نزعت القيد»!.

مقالات ذات صلة

0 0

قانون المزرعة وقانون الكروتة..!

2024-08-18

البشرُ -كلُّ البشرِ- يؤدُّونَ أعمالهم على طريقتَين لا ثالثَ لهما، وهاتان الطريقتان تُسمَّى إحداهما #قانون_المزرعة، والأُخْرَى تُسمَّى #قانون_الكروتة، وحتَّى تتضحَ الأمورُ، دعونا نتحدَّث عن كلِّ قانونٍ ومواصفاتِهِ وتطبيقِهِ على أرضِ الواقعِ. أولًا- قانونُ المزرعة: يقولُ هذا القانون: إنَّ الإنسانَ إذَا أرادَ أنْ يقومَ بعملٍ، فعليه أولًا الإخلاصُ، وعليه ثانيًا الإعدادُ الجيِّدُ، وعليه ثالثًا تجهيزُ وتحضيرُ المواد اللازمةِ لأداءِ المهمَّة، وعليه رابعًا الدقَّةُ والمهارةُ في التنفيذِ، وعليه أخيرًا أنْ يُعطي كلَّ مرحلةٍ من هذه المراحل حقَّها ومستحقَّها من التَّركيزِ والإتقانِ والصَّبرِ. وإذا أردنا أنْ نطبِّقَ هذا القانونَ على أرضِ الواقعِ فإليكم قانون الأستاذة نظميَّة في الطبخِ، فهي تقرِّرُ في الصباحِ ماذا سوف تطبخ، وهنا تأتي الإرادةُ، ثُمَّ تقومُ بتحضيرِ المواد وترتيبها وتقطيعها بكلِّ إخلاصٍ، ثُمَّ تضعها على نارٍ هادئةٍ حتَّى تستوي وفقَ قوانين الطبيعة، إنَّها بذلك تشبهُ قانونَ المزرعةِ، الذي يقوم به المزارعُ من حيث حرث الأرضِ، ورمي البذورِ، وسقي الأرضِ والصَّبر عليه حتَّى يثمرَ ويُخرِجَ الخيراتِ من غرس النباتِ. ثانيًا- قانونُ الكروتة: وهذا القانونُ يقولُ إنَّ الإنسانَ يقومُ بعمله على نظامِ السرعةِ والاستعجالِ، ورمي الأشياء فوقَ بعضها من دونِ إخلاصٍ، أو تحضيرٍ، أو صبرٍ، أو دقَّةٍ في التَّنفيذ، وإذا أردنا مثالًا على هذا، فهي تشبهُ حالتي في المرحلة الابتدائيَّة، فقدْ كنتُ أنسى الموادَّ، وأهملُ المذاكرةَ، وإذا جاءت ليلةُ الامتحان أعلنُ حالةَ الاستنفارِ والطوارئِ، وأسهرُ طوالَ الليلِ، من أجل المذاكرةِ التي لا تثمرُ في هذا الوقتِ الضائعِ، والنتيجةُ النهائيَّةُ هي أنَّني مكثتُ في الابتدائيَّة أكثرَ من عشرِ سنواتٍ، في حين أنَّ أقراني قد أنجزُوها في ستِ سنواتٍ، وبعضهم في خمسٍ. ولو أردنا تطبيقَ الكروتةِ على الطبخِ، سأذكرُ لكم طريقةَ طبخِ صديقي «أبي نوح»، فهو يستيقظُ في الظهيرةِ، ويذهب إلى الثلاجةِ، ويلمُّ ما بها من أغراضٍ، ويرمي بها في قدرِ الضغطِ، وبعد نصفِ ساعةٍ يفتحُ ويأكلُ الطَّعامَ الذي كَرْوَتَهُ، ليكونَ عالي الوجبةِ سافلهَا، وسافلهَا عاليهَا. حسنًا ماذا بقي: بقيَ القولُ: يا قومُ أخبرُوني هل أنتمْ على وفاقٍ مع قانونِ المزرعةِ أم قانونِ الكروتةِ؟!

0 1

حين ضاع تاريخ ميلادي..!

2024-08-18

كالعادةِ، يتفاعلُ المحبُّونَ والأصدقاءُ والمتابعُونَ والمتابعاتُ، مع ما يُطرحُ في برنامج #ياهلا_بالعرفج، الذي يأتي على قناةِ روتانا خليجيَّة. وفي هذا الأسبوعِ رويتُ في فقرة الحِكاية قصَّتي مع تحديدِ تاريخ ميلادي، وهي قصَّةٌ طويلةٌ ألخصُها بأنَّني سألتُ أمِّي -رحمها الله- متى وُلدتُ؟ فقالت: اسأل خالتكَ فلانة، فهي التي ولَّدتك، فسألتُ خالتي -رحمها الله- فقالت: أنتَ أكبرُ من ابنتِي فلانة بأربعةِ أشهر، حينها تركتُ تاريخ ميلادي، وانطلقتُ أبحثُ عن تاريخ ميلاد فلانة، فدخلتُ في سنواتٍ كثيرةٍ، من ضمنِها سنة الغُرفة، وسنة الجدري، حتَّى وصلتُ إلى سنة تُسمَّى سنة نِهاق الحمير..! عندها أقفلتُ الملفَّ، وبدأتُ أبحثُ عن وسيلة أخرى أكثر دقَّة، وهذا الأمر جعل مكتب الأحوال في بريدة يحوِّلني إلى المستشفى، وفي المستشفى تمَّ تسنيني وجعلي من مواليد ٧/١. حين رويتُ هذه القصَّة تفاعلَ معها البعضُ، ومن ضمنهم الأستاذ الأديب القدير «صلاح بن هندي»، حيث أرسل لي رسالةً يقول فيها: في برنامج (ياهلا بالعرفج) الذي يقدِّمه الأستاذ الجميل مفرح الشقيقي في قناة روتانا، تحدَّث #عامل_المعرفة: أحمد العرفج عن يوم ميلاده، الذي لا يعرف تاريخه بالتَّحديد، سوى أنَّه من مواليد ٧/١، وقد يكون في تلك السنة (6) نوفمبر، وكان حديثه مشوِّقًا كعادته، فذكَّرني ببعض النُّصوص الدِّينيَّة والأدبيَّة التي تطرَّقت ليوم الميلاد، من ذلك ما قاله الحسنُ البصري (١١٠): يا ابن آدم، طء الأرضَ بقدمِكَ فإنَّها عن قريبٍ قبركَ، مازلتُ في هدم عمرِكَ منذُ أنْ سقطتَ من بطنِ أمِّكَ!، وهي نظرةٌ وعظيَّةٌ صِرفةٌ، لكنَّها جاءت بقالبٍ أدبيٍّ أنيقٍ رغم قسوتها على النَّفس!. أيضًا يقولُ الشَّاعرُ كامل الشناوي عن يوم ميلاده: عدتَ يا يومَ مولدِي.. عدتَ يا أيُّها الشَّقي! الصِّبَا ضاعَ مِن يَدِي.. وَغَزَا الشَّيبُ مِفْرَقِي! ليتَ يا يومَ مولِدِي.. كنتَ يومًا بِلَا غَدِ!. وقد غنَّاها فريدُ الأطرش بصوتِهِ الشجيِّ وروحِهِ المعذَّبةِ! أمَّا ابن لعبون فيقول عن طفولته: ضحكتِي بينهمْ وأنَا رضيع مَا سوت بكيتِي يومَ الوداع!. وكانَ جدِّي علي بن هندي -رحمه الله تعالى- يقول لي: قالُوا للمُوصِف «الحكيمِ»: متى علمك بالسَّعادة؟، قال: يومَ كانَ طولُ ثوبِي شبرًا!. وهي نظرةٌ تشاؤميَّةٌ للحياة، ولِمَا بعد الميلاد، وهذه النظرةُ كانتْ عند الإغريقِ أيضًا، فقد قِيلَ لميداس: ما خير للإنسان؟ قال: أنْ لا يُولد!!، قِيل وإنْ وُلد؟ قال: أن يموتَ صغيرًا!. ومعلومٌ أنَّ الفيلسوفَ البلغاريَّ (ايميل سيوران) يرى أنَّ مصيبةَ الإنسان ليست في الموتِ، بل في أنْ يُولد من الأصلِ!. أمَّا أنَا فأقولُ في يومِ ميلادِي وقد نظرتُ إليه نظرةَ تفاؤلٍ: عيدُ ميلادِي غدًا.. آهٍ ما أحَلَى لقَاهُ! فغدًا أوَّلُ يومٍ.. لي في هذِي الحِياة! كانَ يومًا عبقريًّا.. ليسَ يعنينِي سواهُ!. وفي النِّهاية أقولُ: شكرًا لعامل المعرفة العرفج على هذه الدُّرر الأدبيَّة التي ينثرُها تارةً، وينظمُها أُخْرَى في سمط هذا البرنامج الأثيرِ لديَّ. حسنًا ماذا بقِيَ: بقِي القولُ: ما أجمل المُتابع المُنتج، والقارئ المُثمر الذي يتفاعل مع ما يقرأ بشكلٍ حيويٍّ، سواء كانَ في جانبِ المدحِ، أو في جانبِ القَدْحِ.

التعليقات (0)

اضف تعليق